مقدمة
عرف العالم الرأسمالي خلال القرن 19 تطورات اقتصادية ومالية كبرى، انعكست على المستويين الاجتماعي والفكري. فقد شهدت أوروبا تحولات جذرية مست جميع القطاعات، مما ساهم في ترسيخ النظام الرأسمالي وتعزيز نفوذه. فما مظاهر هذه التحولات وما أسبابها؟
التحولات الاقتصادية والمالية
في المجال الفلاحي
شهد الإنتاج الفلاحي ارتفاعًا ملحوظًا بفضل توسيع المساحات المزروعة واعتماد المكننة، حيث تم استخدام آلات جديدة مثل آلة الدرس والحصاد والنقل المكيف. كما انتقلت الفلاحة من الطابع المعيشي إلى الإنتاج من أجل التسويق، مما أدى إلى تنوع المنتجات الزراعية وظهور التخصص الفلاحي.
في المجال الصناعي
ارتفع الإنتاج وظهرت صناعات جديدة، كما تنامت قيمة الصادرات الصناعية ونسبة إسهامها في الناتج الوطني الخام. وقد ساعد على هذا التحول الانتقال من الصناعة اليدوية إلى المعمل العصري، حيث تم تنظيم العمل بشكل محكم من خلال توزيع المهام واستعمال آلات متطورة، مثل محول بيسمر وفرن مارتن، مما أدى إلى ارتفاع الإنتاجية.
في المجال التجاري والمالي
توسعت التجارة الداخلية وازداد حجم المبادلات التجارية العالمية، كما تنوعت أنشطتها وبنيتها، مما ساهم في تعزيز الاقتصاد الرأسمالي. كما انتقلت الأبناك من مجرد الإيداع إلى الاستثمار، وتعاظم تأثير البورصة في الاقتصاد وظهرت شركات جديدة مثل شركات الأسهم والهولدينغ. وقد أدى هذا إلى تعزيز دور المؤسسات المالية في الحياة الاقتصادية.
ساهمت عدة عوامل في تحقيق هذه التحولات، من أبرزها:
- الثورة في مجال المواصلات والاتصال، حيث ظهرت وسائل جديدة مثل التلغراف والهاتف والسكك الحديدية والسفن البخارية.
- ظهور تقنيات حديثة في مجال البيع والشراء، مثل تحديد الأسعار والإشهار.
- اعتماد النظام الليبرالي القائم على حرية المنافسة والتبادل الحر وملكية وسائل الإنتاج.
- ظهور التركيز الرأسمالي، الذي ساعد على تحقيق الاندماج بين الشركات وتعزيز نفوذها في الأسواق.
التحولات الاجتماعية والفكرية
التحولات الاجتماعية
النمو السكاني: عرفت البلدان الرأسمالية ارتفاعًا غير مسبوق في عدد السكان نتيجة تراجع معدل الوفيات، وذلك بفضل تحسن مستوى التغذية وتقدم العلوم الطبية وارتفاع الوعي الصحي.
تحولات اجتماعية أخرى: أدى التصنيع إلى تغيرات في بنية المجتمع، حيث خرجت المرأة للعمل وبدأ تشغيل الأطفال في المصانع، كما انقسم المجتمع إلى طبقتين رئيسيتين:
التحولات الفكرية
الاشتراكية الطوباوية: يمثلها سان سيمون، شارل فورييه، وروبرت أوين. دعت هذه التيارات إلى إقامة نظام تعاوني لحل المشاكل الاجتماعية، واعتبرت أن النخبة المتعلمة هي الأقدر على تحقيق التغيير.
الاشتراكية الفوضوية: يمثلها برودون، حيث دعا إلى إلغاء الدولة واستبدالها بنظام اجتماعي يقوم على التراضي بين الأفراد.
الاشتراكية العلمية: تزعمها كارل ماركس، الذي اعتمد على التحليل العلمي في نقد الرأسمالية، حيث ركز على مفاهيم مثل فائض القيمة والصراع الطبقي، وتوقع أن يؤدي هذا الصراع إلى انتصار البروليتاريا وإقامة مجتمع اشتراكي.
التنظيم النقابي والحركة العمالية
نجحت هذه التنظيمات في تحقيق عدة مكاسب، من بينها:
- تخفيض ساعات العمل.
- تحسين الأجور.
- الاعتراف بحق الإضراب والانتماء النقابي.
- الترخيص بتأسيس الاتحادات العمالية والنقابية.
خاتمة
شكلت التحولات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والفكرية التي شهدها القرن 19 مرحلة أساسية في تطور النظام الرأسمالي، حيث ساهمت في ترسيخه وتعزيز هيمنته، كما مهدت الطريق نحو التوسع الإمبريالي والتنافس بين القوى الكبرى على المستعمرات.
مفاهيم ومصطلحات
- نظام المعمل: نظام يخضع فيه العامل لتوقيت في تنظيم العمل و لنظام يختلف عن نظام المشغلة (الورشة) لدى الحرفيين، ظهر خلال القرن 19م مع التطورات الصناعية.
- العامل: ظھر مع الثورة الصناعیة، وھو فرد یبیع قوة عمله في سوق الشغل مقابل أجر محدد.
- التركیز الرأسمالي: اندماج مجموعة من المؤسسات الصناعیة والتجاریة في مؤسسة واحدة ویمكن أن یتخذ ھذا التركیز شكلا أفقیا باندماج الشركات المتشابھة الإنتاج في شركة واحدة للحد من المنافسة والحفاظ على الأسعار في السوق ویمكن أن یتخذ شكلا عمودیا ذات الإنتاج المتكامل بھدف التخفیض من تكلفة الإنتاج.
- شركات الأسھم: عبارة عن مجموعة تجاریة أو صناعیة یملك كل مساھم فیھا جزءا من رأس مالھا في شكل أسھم ویتقاضى نصیبه عنھا سنویا.
- الھولدینغ: قطب مالي یتولى أغلبیة الأسھم داخل الشركات الكبرى، ویتولى التحكم في توجیه النشاط الاقتصادي للشركة التي یملك أغلبیة أسھمھا.
- النظام التعاوني: نظام یقوم على تنسیق أنشطة كل المساھمین داخل وحدة إنتاجیة، ویتم توزیع الإنتاج بینھم على قدم المساواة.
- البرجوازیة: طبقة اجتماعیة ظھرت مع بدایة العصر الحدیث تملك وسائل الإنتاج ورأس المال.